الشيخ محمد رشيد رضا
11
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يتسابقون إلى اقتباس ما يظهر عند الآخر من اختراع أو كشف عن حقيقة علمية أو اهتداء لسنة كونية أو منفعة للخلق ، ويعزون كل امر إلى صاحبه ، ويقولون إن العلم لا وطن له . وانما يقع التغاير والتفرق بين البشر في مثل هذا في ابان ضعفهم وغلبة الجهل عليهم ، وفشو التحاسد وسائر الاخلاق الرديئة فيهم ، واعتبر ذلك في الأمة الاسلامية في ابان ارتقائها العلمي حتى القرن الخامس والسادس إذ كان مثل أبي حامد الغزالي يجيء بغداد عاصمة العلم والملك الكبرى في الأرض فيكون رئيسا لأعظم مدرسة فيها بل في العالم ( وهي النظامية ) ولا يحول دون ذلك كونه من قرية طوس في بلاد الفرس - وفيما بعده إذ تغيرت الحال ، كما بيناه في مواضع من المنار ، ونحمد اللّه ان تلك النزغة الشيطانية تكاد تزول من مصر بارتقاء العلم والعمران على كون النزعة الوطنية العصرية تزداد قوة وانتشارا * * * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ تقدمت هذه الجملة بنصها في بيان عذاب قوم صالح عليه السّلام من هذه السورة ( الآية 77 ) فيراجع تفسيرها ( في ص 507 و 508 من المجلد الثامن ) وفيه أنه عبر عن عذابهم في سورة هود بالصيحة بدل الرجفة - وكذلك قوم شعيب - والرجفة المرة من الرجف وهو الحركة والاضطراب ، ويصدق رجفان الأرض وهو الزلزلة ومنه ( يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ ) وبرجفان القلوب من الهول والخوف ومنه قول عائشة ( رض ) في حديث بدء الوحي : فرجع بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يرجف فؤاده - والراجح هنا الأول والمعنى فأخذتهم الزلزلة فأصبحوا في دارهم باركين على ركبهم أو منكبين على وجوههم ميتين . فهذا عذاب أهل مدين عبر عنه هنا بالرجفة وفي سورة هود بالصيحة ، كعذاب ثمود في السورتين وقد بينا وجه الجمع بينهما وفي سورة الشعراء أن اللّه تعالى أرسل شعيبا إلى أصحاب الأيكة وهم غير مدين فإنه وصفه في سورة الأعراف بأنه أخو مدين أي في النسب كما تقدم ولم يصفه في سورة الشعراء بذلك كما وصف من ذكر قبله : نوحا وهودا وصالحا ولوطا ( ع . م ) وقد أخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله تعالى - من سورة الشعراء ( كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ) قالوا كانوا أصحاب غيضة بين ساحل البحر إلى مدين الخ فأفاد هذا أن اللّه